الكمبيوتر الكمومي.. مستقبل تكنولوجيا المعلومات

MSN Saudi Arabia 0 تعليق 63 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
© Al Khaleej قدمت بواسطة

إعداد: محمد هاني عطوي

الكمبيوتر الكمومي ربما يكون الاختراع الأكثر جنوناً في كل العصور، لأنه سيمكننا على نطاق واسع من استغلال القوانين الأكثر جنوناً لعالم متناه في الصغر، إنه في الحقيقة الحلم الذي راود علماء الكمبيوتر منذ سنوات، خاصة أن آلاتهم تتعامل مع أرقام مثل 1 أو 0، ولكن هل تمكن هؤلاء من برمجة ما لا يمكن برمجته بهذين الرقمين، وهل استطاعوا توقع غير المتوقع، وفك الطلاسم العويصة؟ وباختصار هل تمكن هؤلاء بالفعل من إيجاد ثورة في كل شيء؟ نعم فهذا الحلم قد أصبح حقيقة واقعة بفضل الرقائق الإلكترونية الكمومية، وغدت النماذج الأولى تباع بالفعل في الأسواق.

هذه الجوهرة التكنولوجية يسعى الكل لاقتنائها بدءاً من «»، و«آي بي إم»، ووكالة الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، ووكالة ناسا، والجامعات المرموقة، والمصانع، والكل يحاول العثور على الأفضل والأسرع أيضاً، والسؤال لم يعد ما إذا كان هذا الجهاز سيكون موجوداً بالفعل، ولكن من سينجح في بنائه، وخلال أي مدة، وما النموذج الذي سيقرر؟

تعود فكرة الكمبيوتر الكمومي للعام 1981، حين أعلن الفيزيائي ريتشارد فينمان، أن كمبيوتراً متطوراً سيظهر، وسيحكمه منطق قوانين فيزياء الكم، بشكل يجعل من الآلات التقليدية أي أجهزة الكمبيوتر العملاقة وغيرها من وحوش الشبكة الموازية، مسألة تافهة، نظراً لحدودها المعروفة التي لا يمكن تجاوزها. أما بالنسبة للدوائر الكمومية الإلكترونية، فتعد عصر الكمبيوتر بالتغيير، لسبب واحد بسيط، وهو أن الأجسام التي تحكمها القوانين الغريبة للفيزياء في العالم المجهري: الذرات أو الأيونات والإلكترونات... لها القدرة على أن تكون في وقت واحد في حالتين مختلفتين.

وفي العام 2001، أجريت أول عملية حوسبة كمومية، حيث وضع العلماء تكديساً من 7 بتات كمومية على الدائرة نفسها، ولكن هذا العمل كشف عن عيوب ضخمة. لم يكتف علماء الفيزياء بالحلم، بل تسلحوا بالصبر، من خلال تطوير القالب الكمومي المنطقي لإنتاج دوائر تجري عمليات معقدة، أو تقنيات لإعداد البتات الكمومية لجعلها أكثر استقراراً مع الزمن وأقل عرضة للاضطرابات

يمكن القول إن الزلزال الكمومي، وقع بالفعل، في العام 2011، عندما باعت الشركة الكندية D-Wave system، جهاز كمبيوتر كمومي، لصانع الطائرات لوكهيد مارتن، ب 10 ملايين دولار، هذا الجهاز الذي سمي One D-Wave، كان عبارة عن شكل متوازي السطوح، أسود اللون، غير لامع، بواجهة مجهزة بشاشة، وعليه الشعار التجاري للشركة، ولكن هل كان ذلك حقاً آلة كمومية؟ وهل حقق ذلك الإنجاز الشيء المطلوب؟.. الواقع أن الشكوك بدأت واستمرت حول هذا الجهاز، الذي حاولت الشركة حمايته بالأسرار التجارية، وكان العلماء يخشون من أن يكون الأمر مجرد خدعة، وكانوا لا يستطيعون سوى دراسة السلوك الخارجي لذلك الجهاز.

يقول الكسندر بليس، مدير معهد الكم في جامعة شيربروك «كندا»: إنه رغم كل الصعاب، أصبح الكمبيوتر الكمومي مشروعاً صناعياً وتجارياً حقيقياً. وفي أواخر العام 2015، عادت D-Wave system مرة أخرى إلى واجهة المسرح العالمي، فهذه الشركة التي باعت إلى Google في العام 2013، نسخة محسنة من جهازها مقابل 15 مليون دولار، كشفت عن نتائج الاختبار الذي يثبت أن الجهاز ذو طبيعة كمومية، ويظهر كذلك مدى تفوقه على الأجهزة التقليدية. ولكن هل كان ذلك صحيحاً أم مجرد دعاية؟ مرة أخرى، تم استقبال تأكيدات الشركة بشيء من التشكك، ولكن مع ذلك فإن الشك في جدوى هذا الجهاز قد زال تقريباً، فبمعزل عن حالة D-Wave system، ثمة علامات واضحة على أن هذا الجهاز الشبح هو في الواقع، شيء حقيقي.

الواقع أن الغرض من البرمجة الكمومية هو العثور على الكيفية التي تتجمع فيها ال qubit في الرقاقة. مع العلم أن الكمبيوتر الكمومي، ليس في حد ذاته أسرع من غيره، بل على حد وصف الباحث برتراند جيورجيو، يتطلب الأمر منه إعادة التفكير في كيفية التعامل مع بعض المسائل التي يكون بعضها حله أكثر سرعة من غيره.

ويشير جيورجيو على وجه التحديد، إلى سرعة معالجة الخوارزميات الكمومية، فلو كان عدد العمليات الضرورية لإنجاز أي عملية حسابية، أسرع ثلاث مرات من معالجة الخوارزمية الكلاسيكية، فالأمر ليس مثيراً للاهتمام، لأنه خلال سنتين أو ثلاث سنوات، ستصل أجهزة الكمبيوتر العادية لأسرع من ذلك، ولذا يجب أن يكون الكمبيوتر الكمومي أفضل من ذلك كثيراً.

ثلاثي واعد

ومن هنا ليس مستغرباً أن خوارزمية جروفر، وجدت اهتماماً كبيراً من قبل «غوغل»، وكانت أول من اهتم برفوف مكتبة الخوارزميات الكمومية، التي تحتل مرتبة مهمة جنباً إلى جنب مع اثنتين من الخوارزميات الأخرى، لتشكيل ثلاثي خوارزمي واعد.

ولا شك أن الأكثر شهرة هي خوارزمية شور، التي اخترعها عالم الرياضيات بيتر شور في العام 1994، والقادرة على تحديد، في زمن استثنائي مقارنة مع الطرق التقليدية، الأعداد التي ينبغي أن نضربها في بعضها للعثور على عدد صحيح كبير. أما بالنسبة للخوارزمية الثالثة، فهي من اختراع هارو-هاسيديم- لويد (HHL)، في العام 2009، وهي اختصار لثلاثة علماء رياضيات، ويمكن لها أن تحل أنظمة المعادلات الخطية في جميع مجالات العلوم. لكن هذا الثلاثي من الخوارزميات كان أساساً لا يكفي لتحقيق الاستفادة القصوى من الرقائق الكمومية، ومنذ ذلك الحين، تطور إلى حد كبير، حيث تتوفر حاليا 60 خوارزمية كمومية، أسرع من التقليدية. وهي حالياً مكتبة متواضعة ولكنها «مهمة».

الخلاصة: أن التعليمات المنطقية الأساسية الخاصة بالتحكم بالبت الكوزمي موجودة، واللغات التي تجمع بينها لإنتاج البرامج أصبحت متاحة، ومكتبة الخوارزميات الضرورية لإيجاد البرامج المفيدة آخذة في التوسع، ولذا لا شك أن البرامج الكمومية، تسير على الطريق الصحيح.

رقائق وبرامج

إذا كان الكمبيوتر الكمومي على الأبواب بالفعل، فماذا عن تصميم البرامج التي لا تقل أهمية عنه؟ الواقع أن الأفكار آخذة في الظهور والتطور، بل يمكن أن تكون قادرة على القيام بما لم يستطع الكمبيوتر الكلاسيكي فعله.

ولا شك في أن الاعتماد سيكون على الرقائق الكمومية، أي قلب الحاسوب الكمومي، مثل المعالجات في الآلات التقليدية، لأنها هي من سيدخل هذا الجهاز في العصر الصناعي الجديد، ولكن لتجاوز مرحلة النموذج الأولي، يجب أن تعمل الرقائق الكمومية من خلال البرامج المُعدَّة خصيصاً لذلك، أو ما يسمى بالبرامج الكمومية، في هذا الصدد يعرف مصممو الرقاقة الكمومية مسبقاً، كيفية تنظيم الدوائر بطريقة يمكن من خلالها تطبيق العمليات المنطقية الابتدائية، «ما يعادل البوابات المنطقية، و، أو، لا في الحوسبة الكلاسيكية»، وصولاً إلى وحدات المعلومات الأساسية، لأجهزة الكمبيوتر الكمومية، الشهيرة بالبت الكمومي ال qubit.

حلول دون حسابات

يرى ألكسندر بليس أن كل مختبر يعمل على تطوير نوع لآلة كمومية، استناداً إلى خبرته في مجال علم الكم وللتطبيقات المتوقعة، وذلك كما كان الحال في عصر أحدث الآلات الحاسبة الإلكترونية، التي سبقت مباشرة ولادة الكمبيوتر الكلاسيكي، كما حدث مع جهاز Eniac في العام 1946، عندما كان كل صانع يتصور جهازه اعتماداً على تطبيق معين، يسعى إليه حساب البالستي «للمقذوفات»، وحساب رقمي وإحصائي وما إلى ذلك، فوفقاً للطريقة التي يتم فيها استخدام ال «qubit»، يمكن للدوائر الكمومية أداء العمليات المنطقية، مثل أجهزة الكمبيوتر التقليدية، ولكن أيضاً العثور عن طريق القياس، على حلول للمسائل بدون إجراء حسابات بالمعنى الدقيق للكلمة، فكل qubit يمثل متغيراً للمشكلة المطروحة، وصولاً إلى محاكاة الظواهر الكمومية من جميع الأنواع «التفاعلات في سلوك النجوم النيوترونية مثلاً، وسلوك الجسيمات داخل موصل فائق...»، كنموذج أولي «ماكيت»، يبلغ قياسه واحداً على عشرة ملايين، وذلك لفهم كيف يعمل النظام بالحجم الطبيعي، والواقع أن المتخصصين يرون أنه يمكن ظهور أجهزة كمبيوتر كمومية، تستطيع التعامل مع خمسين بت كمومي «أي مليون مليار من العمليات في وقت واحد»، في السنوات العشر المقبلة، ما سيجعل من الحوسبة الكمومية حوسبة المستقبل.

قوانين غير عادية

يقول بنديكت فاليرون الباحث في علوم الحاسوب في كلية CentraleSupélec: «هناك اليوم لغات معلوماتية تتكون من قواعد من الجمل والمفردات، مثل لغة بايثون أوc» «المعروفة جداً عند المبرمجين، وقد وضعت هذه اللغات لتكوين البت الكمومي ال qubit، الأكثر طبيعية، ويضيف الباحث أن هذه اللغات، مثل برامج Liquid، الخاص ب Microsft أو Quipper، تشبه البرامج التقليدية، وهي خطوة ضرورية للبرمجة الكمومية، ولكن هل كتابة البرامج الكمومية الكاملة يمكن أن تحل أي مشكلة في أي مجال؟ الحقيقة أن المبرمجين لم يبلغوا بعد هذه المرحلة، فلا مجال للحديث الآن عن تصميم برمجيات معقدة من خلال تكديس الآلاف من الرموز من أجل عمليات منطقية ابتدائية، وسيكون حينها الأمر كما لو قمنا ببرمجة المحاكاة الرقمية لتحليق طائرة مقاتلة عن طريق الاكتفاء بقدرة آلة حاسبة ذات أربع عمليات، علما بأن مثل هذه المحاكاة في الواقع تستخدم فيها كمية من البرامج الفرعية الموجودة مسبقاً التي يحل كل منها جزءاً من المشاكل، التي تطرحها المحاكاة، ولكن في هذه الحالة: لماذا لا نستعين ببرامج الكمبيوترات التقليدية؟ بكل بساطة لأنها لن تجدي نفعاً، فالبرامج مثل الرقائق الكمومية تخضع لقوانين غير عادية لميكانيكا الكم، ومن الصعب السيطرة على مثل هذه القوانين، لأن فيزياء الكم هي ذات طبيعة احتمالية، وهنا تكمن قوتها، وهذا ما يجعل من الصعب السيطرة عليها.

أخبار ذات صلة

0 تعليق